صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

180

تفسير القرآن الكريم

لكم في ترككم الاعتقاد بوحدانية المعبود وما أتى به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد أقيمت البراهين على ما تؤمرون به سمعا وعقلا ؟ أما الأول : فلأن الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ، والعقل السليم عن الأمراض والآفات النفسانية مجبول على الاعتقاد بصدق قوله بما أظهره اللّه على يده من المعجزات التي هي خارجة عن طوق البشر . وأما الثاني : فلنهوض البراهين القاطعة الدالة على الايمان باللّه والرسول ، وكون الغريزة الإنسانية مرتكزة فيها التصديق بحقائق الايمان مفطورة عليها ، كما أشار إليه بقوله تعالى : وقد أخذ ميثاقكم . والحاصل إنه أيّ عذر لكم في ترك الايمان بعد ما ازيحت عنكم العلل ، وأوضحت لكم السبل ، بما ركب فيكم من غرائز العقول ، ونصب لكم من دعوة الرسول المؤيدة بالدلائل والآيات التي ينبه لكم بها على الايمان بمن هو ربكم ، دون من هو مربوب مثلكم ؟ 83 ان كنتم مؤمنين - أي : ممن يهمّكم التصديق بما يقوم البرهان الواضح على صحته ، فقد قام ذلك عقلا وسمعا وهما فطرة العقول ودعوة الرسول ؟ هذا إذا جعل خطابا للمشركين ، فإن جعل خطابا للمؤمنين فمعناه : أيّ سبب يزيلكم عن الايمان والرسول بين أظهر كم يدعو كم إلى الثبات عليه وقد أخذ هو عليه ميثاقكم إن كنتم مؤمنين موقنين بشرائط الايمان ؟ وهو كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [ 3 / 100 ] وعلى التأويل الأول أخذ الميثاق من اللّه على عباده هو ميثاق الخلقة ، وقيل هو أخذ ميثاق الذرية .